زوايا آشــوريه
زاويه تعـني بالاحداث و التأريخ من وجهة نظر آشـوريه
الملفّ الآشوري في العراق ( تحت المِجْهَر )


 

نشرَت هذه المقالة في المواقع الآشورية والعراقية قبل موعد انعقاد المؤتمر الآشوري العام الذي كان مقرّراً في منتصف كانون الأول/2004 والذي تأجل بسبب الأحوال الأمنية خصوصاً بعد اقتحام القوات الأميركية للفلوجة واحتمال اقتحامها للموصل.

 

30/09/2004

 

فيما يمرّ العراق باستحقاقاتٍ ستكون اللبنات الأولى في بناء دولة العراق الثانية بعد العام 1921، نلاحظ بأن الملف الآشوري لا يزال على حاله، مُغلقاً فيما تقوم باقي الأطراف بتمرير مشاريعها العنصرية. وفيما لا يزال السكوت الآشوري في الداخل والخارج يسيطر على الساحة السياسيّة، نلاحظ ازدياد الوقاحة الكردية في تكريد الأرض والشعب الآشوريين، وتقابلها إنهزامية بعض الساسة الآشوريين والتهائهم بالمناصب الشكلية في الإنتخابات القادمة وإلهاء الرأي العام الآشوري بقضايا تافهة... ممّا يدعو إلى الإنذار بما يحيط الآشوريين من مؤامرات تواجهها بعض الأحزاب بتخاذل مُفرط. وبما أن القضية الآشورية كما قضية كل فئة في العراق، مُرتبطة بالتطورات العالمية والإقليمية والعراقية، لذلك فمن الجدير دراسة طريقة تعامل القوى العظمى مع القضيّة العراقية بشكل عام (قضية "الشعب" العراقي) و كيفية تعامل القوى العراقية مع القضايا العراقية بشكل عام، والآشورية بشكل خاص، وذلك في غياب التمثيل الآشوري.

 

 

 

 

1- السياسة الأميركية تجاه العراق

الإستراتيجية الغامضة

 

رغم علمها بخطورة تقسيم العراق ورفضها الدائم لذلك كما لاح أحياناً من خلال أدبيات البيت الأبيض، إلاّ أن الولايات المتحدة قد تلاعبت مراراً بمواقفها، وذلك ملاحظ من خلال تضارب مواقف الإدارة الأميركية التي تكلمت في السابق عن "وحدة عراق لا فدرالي" وتارّة أخرى عن "الفدرالية ضمن العراق الواحد" والتشديد على حق الأكراد في حماية هويتهم بدون الإهتمام لغيرهم (1)  وكأنهم الوحيدون الخائفون على هويتهم... فهل كل هذه الألاعيب مجرّد دغدغة لتركيا التي تأوي 10 ملايين كردي وتحاول دخول الإتحاد الأوروبي – المنافس الإستراتيجي البديل عن الإتحاد السوفياتي للولايات المتحدّة؟ أم أنها مجرّد دغدغة لسوريا وإيران، المتحالفين اللذين يُشكّلان مصدر إزعاج لإسرائيل واللذين قد يُزعجا الولايات المتحدة في تنفيذ مشاريعها في الشرق الأوسط واللذين في نفس الوقت - لحسن حظ الولايات المتحدة وإسرائيل- يأويان عدداً لا بأس به من الأكراد؟ أم أن الولايات المتحدة فعلاً جادّة وتعمل وفقاً لاستراتيجيّة بعيدة المدى حيال الصراع العربي – الإسرائيلي، تقتصر على إقامة كيانٍ إنفصالي مستميت ومتلهّف لتقبيل يديها، والذي قد يتحوّل يوماً ما طرفاً في الجبهة العربية- الإسرائيلية إلى جانب إسرائيل؟

 

ومن جهة ثانية، إنّ الإحراج الذي تعرّضت له إدارة بوش بسبب الأحداث الدامية التي لا تعتبر بالنسبة لها أكثر من عوائق "إنتخابية"، بدءاً من قضية 11/أيلول مروراً بقضيّة فشلها بالعثور على أسلحة دمار شامل في العراق، وصولاً إلى قضية الفلوجة والصدر، إنتهاءً بعوائق تخلقها أطرافٌ أميركية من الداخل كقضية "فضيحة" سجن أبو غريب... لقد أدّى هذا الإحراج إلى إنعكاسات سلبية داخل البيت العراقي، بحيث كانت قد عمدت إدارة بوش في العراق إلى تشكيل مؤسسات سياسية من بعض الدمى المتصارعة على الكراسي والتي لا يثق أحدها بالآخر لتتمكن من السيطرة على القرار العراقي من الداخل، كما عمدت إلى السكوت الى أجل غير مُسمّى عن قرارات وبيانات لم تكن لتقبل محتواها في السابق، حيث يتبيّن من خلال ذلك حاجة أميركا وإسرائيل إلى أدوات في العراق، وفي نفس الوقت يتبيّن عجزها أمام التيارات الإسلامية التي لم يُحسب لها الحساب بالشكل الملائم... لذلك فإن الإدارة الأميركية قد ناقضت مواقفها السابقة واضطرت إلى تأييد (ربّما وقتياً) أسلمة وتقسيم العراق، والدليل على ذلك موافقة الرئيس الأميركي على القانون الإداري (2).

 

مهما يكن، إنّ تقلبات الأحداث والتصريحات تجعل من هذه الأسئلة حزازيراً في ظل ارتباك الولايات المتحدة، التي رغم التطوّرات من ناحية إعادة تركيب الدولة العراقية، ومواقف مجلس الأمن حول المرحلة الإنتقالية، فإن سياستها تجاه المنطقة لن تتوضح إلاّ بعد الإنتخابات الأميركية، حين سيُطلق الرئيس القادم العنان للسياسة الأميركية الوقحة سواء كانت سلبية أم إيجابية تجاه العراق وقد لا يردعه رادع  بسبب المساومات الإقتصادية العالمية المُستمرة حول مشاريع إعادة بناء العراق.

 

 أمّا الشعب الآشوري، فإنه يشارك العراقيين الشرفاء بالخيبة ممّا سُمِّيَ "تحريراً" خصوصاً بعدما تبيّن له بأن حالة اليوم ليست بأفضل من الحالة أيام صدام، والكل يعلم اليوم بأن الولايات المتحدة لم تسقط صدام لأجل الشعب العراقي كونها لم تبدِ أي اهتمام في السابق تجاه مجازر النظام بحق هذا الشعب، وإن مجازر صدّام بحق الشعب العراقي عام 1991 لخير دليل على ذلك حين قال أحد مسؤولي البيت الأبيض بالحرف الواحد: "إنّ الإدارة الأميركية لا توافق على ما يقوم به صدّام ولكنها ليست منزعجة من قيامه ببعض الأعمال القذرة" (3). وفي المقابل نرى من كانوا يتباكون على حقوقهم أيام صدام، يمارسون اليوم نفس السياسة القذرة بحيث ينال الأخ الأصغر في العائلة العراقيّة، حصّة الأسد من الإضطهاد في الشارع العراقي سواء بسبب دينه في الموصل والوسط والجنوب، أو بسبب قوميّته في المناطق المحتلة من قبل القبائل الكردية في الشمال.

 

ورغم سكوتهم آملين الوصول إلى حلّ وطني، سبق أن لمس الآشوريون ملامح العراق المستقبلي منذ ما قبل سقوط صدّام، حين اتضح تنازل المعارضة العراقية آنذاك أمام الأهواء الإنفصالية الكردية التي تتهدّد الهوية الآشورية قبل غيرها أرضاً وشعباً ومؤسسات...

 

ومقابل كلّ التساؤلات حول النوايا الأميركية، تتأرجح تطلعات الأكراد بين التشاؤم والتفاؤل مع سيطرة مطالبهم المُفتنة على المسرح العراقي الفوضوي حيث تمّ إقرار الفيدرالية في مؤتمرات المعارضة العراقيّة قبل سقوط صدام بعيداً عن الشعب العراقي وصوته، وحيث سُنَّت قوانين الدولة بغياب السلطة التشريعيّة بعدَ سقوطه، وأغلب هذه القوانين والقرارات تدعم تقسيم العراق وتتلاعب بالعبارات الغامضة التي تفتح للآشوريين مجالاً للتساؤل حول مصيرهم سواء بالمفهوم القومي الآشوري أو الديني المسيحي، أو الوطني العراقي.

 

وبغضّ النظر عن مصير القانون الإداري المشؤوم، فإن الحديث في الأسطر التالية عن ضعف الموقف الآشوري تجاهه ليس إلاّ مثالاً عمّا يتآكل القرار السياسي الآشوري من أمراضٍ آن الأوان لمعالجتها أو التخلص منها بأية وسيلة، فالموقفَ الآشوري يلفه غموضٌ غير طبيعي مُلاحَظ من خلال عدم إيصال الصوت الآشوري الحقيقي بالشكل المطلوب وبالتالي طمس التطلعات القوميّة الآشورية قدر المستطاع، ويستغرب الآشوريّون المطلعون على الوضع العراقي كيف عولجت مسألة حقوقهم في مجلس الحكم، وكيف سكت ويسكت القيّمون على السياسة العراقية بشكل عام والآشورية بشكلٍ خاص، على ما آلت إليه ممارسات الحركة الكردية منذ نشأتها وتغييرها للواقع الديموغرافي الآشوري. فيما بالمقابل يستغلّ الأكراد هذا الموقف الإنهزامي وذلك الشذوذ الديموغرافي في شمال العراق لطرح "كردستانهم" متذرّعين بالواقع الديموغرافي والسكاني نفسه، متجاهلين بأنهم هم أكثر من تسبّب في تهجير الآشوريين داخل وخارج العراق إلى جانب صدام... كما تجاهلت باقي الأطراف العراقية أن مشكلة الفوضى الديموغرافية هي مشكلة كامل الشعب العراقي بآشورييه وعربه وتركمانه وأكراده لذلك كان من المبكر جدّاً أن تطرح مسألة الفيدرالية قبل تصحيح الخلل الديموغرافي وهذا ما لم يأبه له مَن كان مِنَ المفترض أن يمثل الصوت الآشوري.

 

 

2- السياسة العراقية تجاه العراق

المجلس الكردو-إسلامي وقانونه الإداري

 

يعدّ انتقال البلاد المتعددة الإثنيات والأديان من مرحلة ديكتاتورية الأنظمة إلى مرحلة الحرية بشكل مفاجئ من أهم مسبّبات الحروب الأهلية بحيث يعمد كل طرف إلى الإستحواذ على الكميّة الأكبر والنوعيّة الأفضل من الحقوق ودائماً على حساب الفئة الأضعف وبذلك تنشأ دكتاتورية من نوع آخر، ديكتاتورية "ديموقراطية" مشروعة هذه المرّة كونها مؤيَّدة من قبل أكثرية المواطنين الذين ينتمون إلى مذهب أو قومية مُختلفة عن الأقلية، حيث يصوّت ذئبان وحَمَل على صنف الغداء (بالإذن من المفكر الأميركي الراحل بنجامين فرانكلين).

 

وأهم ملامح دكتاتورية ما بعد صدام تتضح لنا من خلال القانون الإداري الذي لم تقلّ موادّه خبثاً عن مواد مؤتمر لندن-2002، ولم تقلّ مواقف "ممثل" الآشوريين تجاهه تخاذلاً عن مواقفه تجاه مؤتمر لندن أيضاً... لا بل اعتبره "إنجازاً" وصرّح عن افتخاره به (4)  ورَفع ورقة توقيعه على القانون أمام وسائل الإعلام العالمية التي لم تسمع منه يوماً عن مشاكل شعبه، وذلك من جراء تخاذله في سياسته الإعلاميّة (الصحيفة والتلفزيون والبيانات الحزبية والمقابلات والمحاضرات)، هذا كله فيما لو نظرنا إلى أهمّ مواد القانون الإداري للمرحلة الإنتقالية للاحظنا فعلاً بأنها تذلّ الشعب الآشوري وتهمّشه قومياً ودينياً؛ كما في المواد التالية وباختصار شديد:

  • المادة /7/ ، فقرة (أ) : "الإسلام دين الدولة الرسمي ويُعد مصدراً للتشريع ولا يجوز سن قانون خلال المرحلة الانتقالية يتعارض مع ثوابت الاسلام المُجمع عليها و لا مع مبادىء الديمقراطية والحقوق الواردة في الباب الثاني من هذا القانون، ويحترم هذا القانون الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، ويضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية".

دين الدولة الرسمي هو الإسلام، وهو الدين الوحيد "المُحترَم" والمذكور في القانون وهذا مخالف للمادة /12/ من القانون نفسه، كما أن هذه المادة تناقض ما قاله يونادم كنا قبل شهرين من توقيعه القانون، بأن "الكتلة الإسلامية في مجلس الحكم قد وافقت على فصل الدين عن الدولة" (5).

  • المادة /9/: " اللغة العربية واللغة الكردية هما اللغتان الرسميتان للعراق "

 

تمّ تهميش اللغة الآشورية -  لغة العراق التراثية والتاريخية، والتي يجب أن تكون لغة رسمية إلى جانب لغة الأكثرية، أو كان يجب اعتماد العربية وحدها كلغة رسمية للعراق فيما تعتبر اللغات الأخرى (الآشورية والتركمانية والكردية) رسمية كلّ في مناطق تواجد الناطقين بها على ألاّ يتجاوز استعمالها الحدّ الإداري.

  • المادة /27/، فقرة (ب):"لا يجوز تشكيل قوات مسلحة وميليشات ليست خاضعة مباشرة لإمرة القيادة للحكومة العراقية الانتقالية، إلا بموجب قانون إتحادي"

يبدأ القسم الأوّل من النص بعبارة "لا يجوز" التي تمنع التيارات العراقية من الإحتفاظ بالسلاح ويبدأ  القسم الثاني بكلمة "إلاّ" التي تمنح الأكراد الحق في بناء جيش لا يخضع مباشرة للسلطة المركزية علماً أن المبادئ التي ستدير هذا الجيش في آشور هي مبادئ إنفصالية تكريدية وهذا معروف من قبل كافة أعضاء مجلس الحكم، وإن التصريح الأوّل لرئيس الوزراء أياد علاوي بعد تشكيل الحكومة، حول إلغاء الميليشيات لم يأتِ إلاّ تحضيراً لتشريع الميليشيات الكردية في آشور لكي ينطبق ذلك مع هذا البند من القانون، ثمّ طبّق ذلك فعلا حيث عاد في اليوم التالي وصرّح بأن الميليشيات الكرديّة هي قوات نظامية.

  • المادة /30/، فقرة (ج): " تنتخب الجمعية الوطنية طبقاً لقانون الإنتخابات وقانون الاحزاب السياسية، ويستهدف قانون الإنتخابات  تحقيق نسبة تمثيل للنساء لاتقل عن الربع من اعضاء الجمعية الوطنية, وتحقيق تمثيل عادل لكافة شرائح المجتمع العراقي كافة وبضمنها التركمان والكلدوآشوريون والآخرون"

 

كان من المفروض ذكر جميع "الشرائح" أو عدم ذكر أيّ منها، فقد جاءت هذه المادة لتوضح بأن القوميتين التركمانية والآشورية ليستا بمستوى العرب والأكراد في القانون، وهذا يخالف المادة /12/ من القانون نفسه.

 

  • المادّة /53/، فقرة (ج): "يحق لمجموعة من المحافظات خارج إقليم كردستان لاتتجاوز الثلاث، فيما عدا بغداد وكركوك، تشكيل اقاليم فيما بينها، وللحكومة العراقية المؤقتة أن تقترح آليات لتشكيل هذه الأقاليم، على أن تُطرح على الجمعية الوطنية المنتخبة للنظر فيها وإقرارها. يجب الحصول بالاضافة الى موافقة الجمعية الوطنية على اي تشريع خاص بتشكيل إقليم جديد على موافقة أهالي المحافظات المعنية بواسطة استفتاء"

 

تعني هذه المادة بأن ما يُسمّى "كردستان" (والذي يضمّ الأراضي الآشورية المصادرة – إنظر للفقرة (أ) في نفس البند) هو إقليم غير قابل للمسّ، وتمنع الآشوريين من الحق في إقامة إقليمهم – أسوة بغيرهم - على أرضهم المملوكة قانونياً وتاريخياً والمحتلة واقعياً (المثلث الآشوري – أنظر الخارطة) كون من سيطالبون بذلك سيصبحون وفقاً لهذا القانون مقسّمين بين محافظتي الموصل ودهوك وبذلك فإن كل قسم منهم سيخضع لقانونين مختلفين (الفدرالية القضائية)، ووفقاً لثقافتين مختلفتين (الفدرالية اللغوية) علما بأن الآشوريين في المنطقتين تجمعهم ثقافة واحدة - وهذا التعليق ينطبق أيضاً على المادة /9/ التي أتينا على ذكرها مما يرسم علامة استفهام حول مستقبل الثقافة الآشورية (الإرث الثقافي- الحضاري للعراق).

  • المادة /53/، فقرة (د) : "يضمن هذا القانون الحقوق الإدارية والثقافية والسياسية للتركمان والكلدوآشوريين والمواطنين الآخرين كافة"

كان من الواجب ذكر كافة القوميات أو عدم ذكر هذا البند بتاتاً كونه تافه ولم يوضَع إلاّ للتمييز في درجة المواطنة، أيضاً مما يخالف المادة /12/ من القانون نفسه، وبكل أسف نلاحظ بأن الكثير من الساسة والناشطين الآشوريين يتغنّون بالمادة /53/ كما سَبَقَ أن طالب بمُحتواها مؤتمر يونادم كنا في تشرين الأوّل – 2003 تهرّباً من واجبه بالمطالبة بالأراضي الآشورية المغتصبة على يد القبائل الكردية في منطقة المثلث الآشوري، وذلك كان تحضيراً لصياغة هذه المادة بعد أشهر، ووفقاً للإملاءات الكردية وما يُثبت ذلك هو دعوة الإتحاد الوطني الكردستاني مؤخراً إلى التقيّد بهذه المادة إلى جانب المادة /58/ (6).

 

إن كل هذه العيوب والثغرات سببها المساومة في التصويت على القرارات بين "القوى العظمى" العراقية، وهذه المساومة أتت توافقاً في تصويت كلّ لمطالب الآخر – أي تجارة المواقف على حساب وحدة العراق وأصالته الثقافية والحضارية –  وقد أكّد وجود هذه المساومات في صياغة القانون الإداري، وزير حقوق الإنسان بختيار أمين(7)، إضافة إلى كون القانون الإداري لم يتعامل مع "شعب عراقي" بقدر ما تعامل مع مجموعات دينية وقومية، من منطلقات فئوية عنصرية تواصلت حتى عملية تشكيل الحكومة المؤقتة المعرّضة للتفكك في أية لحظة كما ثبُت بعد قرار مجلس الأمن الأخير بخصوص المرحلة الإنتقالية. أمّا بعض المواقف العراقية البارزة التي رفضت القانون، فلم تصدر من منطلق وطني بل من منطلق التطرّف الديني اعتراضاً على المادة السابعة التي نصت على أن الإسلام "مصدرٌ للتشريع"،  وليس  "مصدرُ التشريع"... 

 

إنّ كل ما مرّ ذكره يُثبت بأنه ليس هنالك وطنيّة ولا ديموقراطية إلاّ بالديباجات التي عهدناها في مقدّمة النصوص الرسمية، وإن ما نلاحظه من بعض الآراء الغير آشورية التي تطالب بحقوق الآشوريين بين الحين والآخر، ليست إلاّ آراءً شخصيّة صادرة عن بعض المثقفين العراقيين الشرفاء، ولا تعبّر عن رأي أيّ تيار سياسي عراقي، وهنا علينا أن نطرح بعض علامات الإستفهام:

 

-    على ماذا تخاف التيارات الكردية التي تمثل آخر المجموعات من ناحية الإنتماء العراقي؟ علماً أنها الأقوى من ناحية نزعتها القومية؟ والأكثر تماسكاً في العلاقة بين الساسة والقاعدة الشعبية؟

-    على ماذا تخاف التيارات الإسلامية التي تمثل آخر الأديان من ناحية الإنتماء العراقي؟ علماً أنها الأقوى من ناحية نزعتها الدينية؟ والأكثر تماسكاً في العلاقة بين الساسة (الأئمّة والشيوخ) والقاعدة الشعبية؟

-  كيف نتوقع اطمئنان الآشوريين، الأضعف ولكن الأكثر عراقية قومياً ودينياً ؟! لا بل كيف تتجاهل بعض التيارات الآشورية ما مرَّ ذكره ؟ وما هي حقيقة قضيّة "الواقع" الذي بات حُجّة هذه التيارات المُتخاذلة وكيف التصرّف معه؟

 

3- الواقع الآشوري المرير

ذريعة المُتخاذلين

 

تقول المفكرة الأميركية أليس والكر: "إن السبب الرئيسي لفقدان الشعوب قوتها، هو اعتقادها بأنها لا تملك القوّة..."، وهذا ينطبق على قسم من المنظمات الآشورية التي تختلف لديها معايير النضال عن مثيلاتها من المنظمات لدى أية حركة قومية في العالم، بحيث يُستعمل الواقع المرير لدى هذه الأحزاب الآشورية كحجة لتبرير الضعف والفشل السياسي والغوص أكثر عمقاً في السياسة الإنهزامية، عوضاً عن استعماله كورقة سياسية ناجحة كفيلة بإيصال الصوت الآشوري إلى مراكز القرار السياسي في الوطن وخارجه. وتحاول الحركات الإنهزامية دائماً عرقلة تمتين أواصر الوحدة في القرار الآشوري لتحافظ على هذه الحجّة وتستمر بانهزاميتها لأسباب باتت معروفة لدى الجميع، فيما تقتصر "شجاعة" تلك الحركات على مُجرّد إصدار بيانات تافهة متردّدة تتعلق بالإحتجاج على التهميش بالمناصب والكراسي، وليتها تصدر عن القيادة...

 

إن الواقع الآشوري الحقيقي باختصار بسيط هو مئات القرى وعشرات الآلاف من الدونمات (الدونم = 1000 م2) المصادرة من قبل القبائل الكردية في منطقة "المثلث الآشوري" وخارجها منذ بداية الحركة البرزانية عام 1961 وما تلاها من بناء مُجمّعات للأكراد داخل الأراضي الآشورية وبطريقة غير شرعية، أضف إلى ذلك هدم مئات القرى الآشورية وثهجير سكانها إلى الدول المجاورة والخارج على يد النظام السابق، وعودة الأكراد في بداية التسعينات ومصادرتها حتى اليوم، واستمرار إسكان القبائل الكردية القادمة من إيران وسوريا داخل مناطق المثلث الآشوري المحتلة من قبل البرزاني، فقد استورد إلى كركوك وحدها، 60.000 كردي من ايرن وسوريا وتركيا وتمّ إسكانهم في أراضٍ مصادرة عنوة (8) وهذا مثال آخر عن كيفية تطبيع الخارطة الفدرالية التي وافق عليها مجلس الحكم الكردو- إسلامي.

 

وبدلاً من استغلال هذا الواقع المرير لإبرازه كمشكلة آشورية (قومية ووطنية) على ساحة العراق، نجده قد تحوّل إلى حجة في ممارسة سياسة مفضوحة تقتصر على الشكر على "العطايا" التي يتسوّل لها بعض الساسة الآشوريين على أرضهم. وتتحوّل نشاطات أكبر منظمة سياسيّة - عسكرية في تاريخ الحركة القوميّة الآشورية منذ مجازر 1933، إلى المجال الخيري والإجتماعي والثقافي لتغطية الفشل السياسي... فمن صاغ بالأمس القريب نصوص تلك الأوراق المذلة للشعب الآشوري (القانون الإداري المؤقت) هو نفسه صائغ نصوص بيانات مؤتمرات المعارضة العراقيّة قبلها، ومن وقّعها ورفعها عالياً أمام وسائل الإعلام العالمية بعد سقوط صدّام هو نفسه من وقعها سابقاتها في لندن وما قبلها، ومع استمرار نوايا التيارات العراقيّة المتخلفة على حالها، علينا كآشوريين مواجهة الموقف الآشوري الإنهزامي قبل غيره، لتتمّ المطالبة بتصحيح الشذوذ الديموغرافي قبل صياغة الدستور الدائم، وليتمّ وقف سياسة التضليل الهادفة إلى لفت أنظار الشعب الآشوري عن الخطر المحدق به، والكف عن لوم الخطر "الزائل" باستعمال عبارات مضللة بنَعْت النظام السابق بالمقبور والشوفيني والدكتاتوري... وإلى ما هنالك من ممارسات تضليلية لذرّ الرماد في العيون ليس إلاّ، فيما نستمرّ بمغازلة التيارات المتخلفة ونتنكّر لممارساتها بسد الستار عن المشاكل المستقبلية (الخطر "المُستمر") التي يواجهها الشعب الآشوري وفقاً لما نقرأه بوضوح بين أسطر البيانات والقرارات الرسمية العراقية الصادرة عمّن ليسوا أشرفَ من صدام وأكثر منه إنسانيّة، والكفّ عن محاولة إظهار الوضع في العراق على أنه بألف خير بمجرّد أن تمّ ذكر عبارة "كلدوآشوريون" (9) باستهزاء في القانون الإداري كما تبيَّن.

 

ويعود سبب مرارة هذا الواقع إلى فشل أوّل منظمة آشورية في مدّ نشاطها إلى العراق فيما كانت الهجمة البرزانية تحتلّ القرى الآشورية وتهجِّر أهاليها واحدة تلوى الأخرى بدءاً من العام 1961، مما تسبّب بانخراط الآشوريين في العراق في المدرسة "الكردستانية" بالترغيب والترهيب - تلك المدرسة التي نعاني نتائج دروسها اليوم، وفشل أوّل منظمة آشورية تحمل صفة "مظلة" في أن تكون فعلاً مظلة تجتمع تحتها كافة المؤسسات السياسية والإجتماعية، وكذلك فشل أوّل حركة سياسية- عسكرية آشورية ليس في تحقيق الطموحات الآشورية فحسب، لا بل حتى في مُجرّد طرحها وإيصال الصوت الآشوري إلى الجهات القيّمة على القرار السياسي العراقي مهما كانت الأسباب والأعذار، حيث تتحوّل القضية الآشورية إلى مُجرّد قضية كرسي وتعليم لغةٍ بإسم مغالط تحت ظل علم ما يُسمّى "كردستان" في كل مدرسة...

 

وبسبب هذا الواقع وصلت القضيّة الآشورية إلى باب مسدود بمصراعين، الأول يتمثل بتباعد الأحزاب الآشورية ضمن البيت الآشوري، والثاني يتمثل بالتخاذل المُخجل أمام مؤامرات قوى الأمر الواقع المسيطرة على أرض الآشوريين، ونلاحظ نشوءاً عَفَوياً لمدرستين سياسيّتين تحوّلتا إلى قواعد شعبية كلّ مؤيّدة لتيار من التيارات المتصارعة؛

 

·   المدرسة الأولى تتسم بالإنهزامية وهي متبنّاة من قبل قسم من الآشوريين المقيمين في آشور والذين عاشوا معظم حياتهم تحت الظلم والقهر، لذلك فهم يرضون بما يُنعِمه عليهم الجلاّدون الجدد بعد هذا العذاب الطويل، ويعتبرون ذلك نجاحاً عظيماً وينجرّون وراء الشعارات المُضللة، وينظرون إلى الأمور السطحية - التي رغم سطحيتها لم يتمتعوا بها في ظل النظام السابق، مقارنين حال اليوم مع حال الأمس عوضاً عن مقارنة مطالب الأحزاب الإنهزامية مع مطالب الآخرين (غير الآشوريين) والمطالبة بالمساواة مقابل ذلك.

·   المدرسة الثانية تتسم بالمثالية (شكلياً)، متبنّاة من قبل الآشوريين المقيمين في المهجر والذين اختبروا الأنظمة الديموقراطية في الدول المتقدّمة، لذلك فهم ينظرون عدلاً إلى حقوق إخوانهم في آشور على أن تكون المساواة مع الآخرين ضمن أية صيغة في عراق المستقبل، عوضاً عن الإكتفاء بنِعَم من لا يحق لهم إعطائها.

 

وقد أدّى ظهور هاتين المدرستين إلى عرقلة الوصول إلى هدف موحّد، بحيث تتبنى المدرسة الإنهزامية مطالباً تافهة، بينما تتبنى المدرسة الثورية قرارات جبارة ولكن ليست إلا حبراً على ورق بسبب عدم الترابط مع المدرسة الأولى الموجودة في الوطن وذلك بعد أن وقف الإنهزاميون بوجه كل خطوة نحو توحيد الصوت الآشوري وضد كلّ قرار وبيان يطالب باستقلالية القرار الآشوري وحاولوا يائسين إسكات كل من يحاول انتقادهم، هذا في الوقت الذي كان من المفترض أن يَعلو الصوت الآشوري في العراق ضد كل ما يتهدد وجود الآشوريين على أرضهم التاريخية.  إذن لقد تبنّت المدرسة الإنهزامية الفكر المدمّر لتطلعات الإنسان الآشوري، بمحاولة إقناعه باستحالة التقدّم إلى الأمام، وبلفت نظره عن الأمور المصيرية لتحوّله إلى الأمور الآنيّة وأدنى الحقوق، وأبسط مثال على ذلك هو دعوة هؤلاء بعض أتباعهم إلى النزول والرقص في شوارع بغداد بعد إقرار القانون الإداري المشؤوم، فيما كان التركمان يتظاهرون دفاعاً عن كرامتهم واحتجاجاً على نفس القانون الذي نالوا فيه نفس الحقوق في كلّ بند.

 

ورغم كل الأمواج العاتية التي تواجهها السفينة الآشورية، قامت ولا زلت تقوم بعض المؤسسات الآشورية في آشور بمحاولة إعادة الآشوريين إلى قراهم التي سبق أن وافقت- أي تلك المؤسسات – على اعتبارها قرى "كردستانيّة"، متنكرة لها في مؤتمر يونادم كنا (تشرين أوّل – 2003) في بغداد، بحيث تحاول نشر فكرة "دشتا دنينوى" (سهل نينوى) في المجتمع الآشوري فيما تتنازل عن القرى الآشورية خارج هذه المنطقة إلى الدخلاء الأكراد، قافزة فوق كل ما يتهدد مصير القوميّة الآشورية في آشور وضاربة عرض الحائط بكل الوقائع التي تدّعي التعامل معها بجدّية وروية.

 

كما أنّ إعادة بناء بعض القرى الآشورية ضمن منطقة الإحتلال الكردي ليست إلاّ دعاية بطريقة غير مباشرة لإشاعة ما يسمّى "حسن المعاملة" الكردية – سواء عن قصد أو غير قصد- شأنها شأن بناء المدارس والكراسي الآشورية "الكردستانية" في برلمان ما يُسمّى "كردستان"، والتي كلها يستعملها الأكراد(10) في سبيل خدمة قضيّتهم التي ما هي إلاّ تكريد آشور، وذلك عن طريق كسب ثقة المجتمع الدولي وقد نجحوا في ذلك إلى حدّ لا بأس به حيث تعمل بعض الأطراف الأوروبية الرسمية على نشر الدعاية حول ديموقراطية ما يُسمّى "كردستان"، وحتى في الولايات المتحدة هناك الكثير من المؤيّدين الذين يُدافعون عن حكومة ما يُسمّى "كردستان" وأبسط مثال هو ردّ مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون التشريعية السيد بول كيلي بتاريخ 7/أيار/2002 على مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط السيد ويليام بيرنز لدى تساؤله عن مُستقبل الآشوريين وحقوقهم، بأن حكومة ما يُسمّى "كردستان" قد "سَمَحت" للآشوريين بتعليم لغتهم وبناء قراهم التي دمرها صدام (بدون أن يتحدث عن القرى المصادرة من القبائل الكردية)(11)  ونلاحظ هذه المواقف لدى الكثير من الساسة في دول العالم، كما أتت تفجيرات الكنائس في 1/آب/ 2004 خارج ما يُسمّى "كردستان" لتثبت بأن المكان الآمن الوحيد للمسيحيين هو المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد، وقد استغلت ذلك وسائل الإعلام الكردية حيث كان الأكراد المستفيدين الوحيدين من هذه التفجيرات، وما يؤكد ذلك هو حديث القادة الأكراد عن الحقوق التي "يمنحونها" للآشوريين،  فقد دعى جلال طلباني الآشوريين إلى النزوح إلى ما يُسمّى "كردستان" واستثمار أموالهم هناك بسبب الإضطهاد الديني الذي يتعرضون له في الوسط والجنوب (12)، مُستغلاً الإرهاب الذي يتعرّض له الآشوريون وهجرتهم إلى خارج العراق بسبب ذلك - مما يطرح علامة استفهام كبيرة حول هوية منفذي بعض الجرائم.

 

 

4- مرحلة ما بعد استلام السلطة

الإستحقاقات والتحدّيات – والحاجة إلى التغيير في البيت الآشوري

 

إنّ مجرّد المطالبة بحقوق الآشوريين بالمساواة مع الآخرين تحت أية صيغة للحكم في العراق، سوف تحوّل الشعب الآشوري بأكمله في العراق والخارج إلى سندٍ لممثليه؛ فالقضيّة قضية مواقف ومطالب أكثر من كونها قضيّة إنجازات تافهة لتغطية الفشل في طرح القضايا المصيرية واسكات الرأي العام الآشوري، لأن المواقف الشريفة والشجاعة ستكون بمثابة ترميم للحركة القوميّة الآشورية المهترئة بسبب ما أتينا على ذكره، بينما سوء تمثيل القوميّة الآشورية سيؤدّي يوماً بعد يوم إلى زيادة الخيبة ويشجّع هجرة الشعب الآشوري، وهذا كله فيما يتمّ طرح الخارطة الفيدرالية بشكل مُجحف بحقّ القومية الآشورية وبموافقة من يدّعون تمثيلها، وقد لاحت ملامح فدرلة العراق في الأفق المستقبلي بحيث أيّدها قرار مجلس الأمن الأخير، ثم أكدها وأقسم عليها الرئيس الياور في خطاب القسم، كما هنالك موقف البرزاني الواضح والصريح حول تقسيم العراق في حال عدم فدرلته حين قال علناً بأن الأكراد لن يلتزموا بعراق غير فيدرالي(13) علماً أن القادة الأكراد كانوا يتظاهرون بتأييد الإستفتاء الشعبي حول الفيدرالية فيما مضى، ومقابل ذلك كله نرى الحكومة العراقية تنجرّ وراء الأهواء الكردية، وذلك يتضح أيضاً في تصريح وزيرة الهجرة والمغتربين "بسكال إيشو" حول أعادة الأكراد إلى الأراضي التي كانوا يسكوننها بدون ذكر غيرهم(14)، ثمّ كرّرت نفس الخطأ "الكردستاني"  حين أعربت عن مشروعها لإعادة المرحّلين من أراضيهم على يد النظام السابق، بدون ذكر المرحلين على يد الأكراد (15) والذين تعرفهم أكثر من غيرها، وهذه الأخطاء نجدها أيضاً في المادة /6/ والمادة /58/ من القانون الإداري المشؤوم حيث تمّ حصر القرار بإعادة الأراضي التي أخلاها صدام ولكنه لم يتطرّق إلى المُصادرات الكردية، ربّما ذلك بسبب عدم علم مجلس الحكم آنذاك بالأراضي الآشورية المُصادرة من قبل القبائل الكردية كما نفهم من الناطق الرسمي بإسم مجلس الحكم(16) ، وذلك رغم وجود ممثل آشوري في المجلس !

 

إنّ واقعية كلّ ما تمّ ذكره بدون أي احتجاج أو مجرّد تحفظ آشوري، تؤكد بأن الشعب الآشوري لم يتمّ تمثيله في السلطة منذ سقوط النظام العراقي وحتى لحظة كتابة هذه الأسطر، ولم تأت التعيينات الأخيرة في المؤتمر الوطني إلاّ لترسم صورة التمثيل المُخجل للشعب الآشوري بحيث لم يصل أي سياسي مؤهّل إلى حيث يجب، فالأوّل هبَط بالمظلة كعضو سابق في مجلس الحكم المنحلّ وهو عاجزٌ حتى عن تمثيل حتى نفسه بالشكل الصحيح كما تبيَّن، والثاني أتى بصورة طائفيّة كـ "إكمال عدد" وبتوصية من بطريرك الكنيسة الكلدانية وهو لم ولن يهتمّ بكل ما ينتمي للآشورية حتى أنه لا يعتبر نفسه آشورياً، وأخرى لا تعرف هويّتها القومية وتعمل على إرضاء رؤساء كنيستها وحركات طائفية حديثة تدعمها، بإدراج إسم طائفتها في الإحصاء إلى جانب إسم هويتها القوميّة... ومن الواضح بأن هؤلاء لا يتفقون على أي برنامج قومي ولا وطني حتى الآن.

 

كلّ ذلك فيما بدأت تتبيّن للمراقب ملامح المرحلة الإنتخابية، فقد عبّر أمين عام الأمم المتحدة السيّد كوفي عنان عن تشكيكه في إمكانية إجراء الإنتخابات النيابية العراقية في الوقت المحدّد بسبب الأوضاع الأمنية (17) ، ونرى رئيس الوزراء العراقي يطالبه بإنقاذ الإنتخابات (18) وكلّ ذلك يُلمّح بعدم نزاهة الإنتخابات المُزمع عقدها.

 

أمّا من الناحية الداخلية فقد بدأت تبرز المشاكل "المبدأية" في تشكيل اللوائح، وأهمّها عزم الطرف الكردي على مقاطعة أيّة لائحة لا تتفق مع فدرلة العراق، وتشكيلها لوائحاً (أو لائحة) خاصة، والله أعلم ماذا سيكون موقف الآشوريين من هذه الفدرلة وبأية خارطة ؟ وكيف سيكون توزيعهم على اللوائح الترشيحية "الكردستانية" بعد أن يعمل الأكراد على تقسيمهم بفرض الأمر الواقع... وكل ذلك يتوقف على مدى إخلاص الممثلين الآشوريين لمصير شعبهم وحقوقه.

 

من هنا فقد بات على الشعب الآشوري التهيّؤ لما يلوح في الأفق، والعمل على تقوية موقفه في العراق وتصحيحه ليسير بالشكل السليم. وذلك يتحقق من خلال وعي الإنسان الآشوري وإدراكة لمتطلبات المرحلة المقبلة، لذا عليه التحرك سريعاً من خلال الإتحادات والجمعيات التي تعمل في العراق والتي يجب أن تفرض نفسها في الإستحقاقات وذلك بالعمل على إيصال صوتها إلى مراكز السلطة بالمشاركة في الإنتخابات بكثافة والنزول إلى مؤسسات الدولة بممثلين شرفاء يؤمنون بالحفاظ على الهوية الآشورية وحقوق الشعب الآشوري ضمن الصيَغ المطروحة (الفيدرالية وغيرها) على أن يتمّ رفض الفدرلة قبل إعادة الأراضي المصادرة من كافة الأطراف العراقية إلى كافة الأطراف العراقية، كما على الأحزاب والمنظمات الآشورية في الخارج دعم هذا التوجّه مادّيا ومعنوياً وإعلامياً، وبشكل خاص المنظمات والجمعيات التي شاركت في مؤتمر أمستردام (نيسان – 2003)، وهذا يدخل ضمن واجبها القومي من أجل الحفاظ على مصداقيّتها بعد سكوتها إزاء صدور القانون الإداري المشؤوم  في آذار- 2004  علماً أنه جاء مناقضاً بيانها مئة في المئة.

 

وقد آن الأوان لعقد مؤتمر قومي آشوري يجمع كافة الأطراف التي ترفض سياسة الذل والخضوع، وذلك قبل الإنتخابات المُزمع عقدها في كانون الثاني/2005، وعلى هذه الأطراف الكريمة أن تحاول بث أفكارها قدر المستطاع داخل الساحتين الآشورية والعراقية، فلدى انتخاب ممثلين مؤهلين لرفع الصوت الآشوري ودعمهم من الخارج والداخل، سيتمّ طرح الأمور المصيرية الآشورية لأوّل مرة في تاريخ العراق بعد القضاء على آخر محاولة تقرير المصير إثر مجازر 1933، كما أنه في حال تمّ إعلان الفيدرالية "الجغرافية" بتقسيم العراق إلى أقاليم، يجب مطالبة السلطات العراقية اعتماد تسمية "إقليم الشمال" على ما يُسمّى حالياً "كردستان" وبدون فرز الأقاليم "الجغرافية" على قوميات محدّدة وفقاً للأمر الواقع الذي أفرز ديموغرافية شاذة، وإلاّ فعلى الآشوريين المطالبة بإقليم آخر يحمل إسمهم القومي والإسم الحقيقي للأرض - "إقليم آشور" -  والإحتجاج لدى المنظمات الدولية وحكومات الدول العظمى ووسائل الإعلام العالمية، بصوت عال إزاء أي تقصير بحقهم.

 

 

االهوامش:

 

1- تصريح وزير الخارجية الأميركي كولن باول لوكالة "أسوشياتد بريس" بتاريخ 06/كانون الثاني/2004.

2- تصريح خاص من الرئيس الأميركي في 08/آذار/2004   -  البيت الأبيض.

3-       مقالة للخبير في شؤون الشرق الأوسط جوزف فيتشيت في صحيفة "إنترناشونال هيرالد تريبيون" – 27/آذار/1991

4-       تصريح السيّد يونادم كنّا لصحيفة "الحياة" – 02/آذار/2004.

5-       صحيفة "واشنطن بوست"، 09/كانون الثاني/2004

6-       نشرة "الإنصات المركزي" الصادرة عن الإتحاد الوطني الكردستاني – 28/09/2004

7-       مقابلة شخصيّة مع قناة "العربية" بتاريخ: 09/حزيران/2004.

8-       حديث للسيدة صون كول جابوك – ممثلة التركمان في المجلس الوطني، صحيفة الشرق الأوسط، 19/أيلول/2004

9-       عبارة شاذة تخلط ما بين الإسم القومي الآشوري والكنسي الكلداني (الكلدانية هي كنيسة كاثوليكية آشورية).

10-   تقرير لحكومة ما يسمى "كردستان" بعنوان : "مُختصر تاريخ كردستان العراق – الآشوريون في كردستان العراق"

11-   "عراق المستقبل"، الباحث والخبير في شؤون الشرق الأوسط جيف سيمونز، دار الساقي، بيروت- 2004، ص: 76

12-   صحيفة "كوردستاني نوى"، 23/09/2004

13-   مقابلة مسعود البرزاني على قناة "الجزيرة" بتاريخ 18/حزيران/2004.

14-   صحيفة الشرق الأوسط، 17/حزيران/2004.

15-   صحيفة "نيويورك تايمز"، 20/حزيران/2004.

16-   سؤال الكاتب من السيد حميد الكفائي شخصياً (الناطق الرسمي بإسم مجلس الحكم) حول كيفية رسم خارطة الفدرالية بدون أخذ الخلل الديموغرافي والأراضي الآشورية المُغتصبة بعين الإعتبار

17-   مقابلة مع شبكة الـ BBC بتاريخ 16/أيلول/2004

18-   صحيفة "الإنترناشونال هيرالد تريبيون"، 23/أيلول/2004

 

 

آشور كيواركيس  - بيروت

سكرتير الحركة الديموقراطية الآ


"المثلث الآشوري" – بين الدجلة



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية