زوايا آشــوريه
زاويه تعـني بالاحداث و التأريخ من وجهة نظر آشـوريه
- رسالة آشورية إلى الإعلام العربي -

 

 

صحيفة النهار؛ 20/05/2003

 

حتماً ستستغرب أيها القارئ العربي إذا صادفت آشورياً يجرؤ على الدفاع عن قضيته في بلدك، لكن لن تستغرب أبداً إذا أخبرك بأنه يجلس يومياً أمام شاشته ليشاهد ما يجري في وطنه التاريخي (عراق اليوم)، متلهِّفاً لسماع كلمة "آشوري" من أي مراسل لأي قناة عربية، أو إذا أخبرك بأن المجرم الأكبر بحقّ قضيته اليوم هو الإعلام العربي.                                                                                 

 

فبعد المحاولات الفاشلة لإزالة القومية الآشورية من الوجود على مرّ العصور، نرانا اليوم بمواجهة جريمة أفظع ألا وهي: "تهميش القوميّة الآشورية في الإعلام العربي"، وذلك في عصر الإنفتاح والإعلام المتطوِّر بحيث تحوّلت بعض الأقنية العربية إلى أبواقٍ لقضايا إنفصالية بدون أي اعتبار للتاريخ ولكرامة الشعب الآشوري فيما تمرّ الأمّة الآشورية والشعب العراقي عموماً، بأحلك الظروف وذلك بعد سقوط النظام الذليل .

                                                                                          

وقد لفتَ نظرنا برنامجٌ لإحدى الأقنية "العربية" حول القضية الكردية، في مساء 25/4/2003  وقد فاحت منه رائحة بعض "المثقفين" الأكراد الذين لقنوا مقدِّمة البرنامج مسبقاً، درساً في تكريد الأرض الآشورية حيث جاء موضوعه متناقضاً مع الوقائع التاريخية، وقد اعتمَدَت مقدِّمة البرنامج على أقوال باحثين "أشباح" لم تتكبَّد العناء في ذكرهم، علماً أن الباحثين المختصّين بدراسة الأكراد (Kurdologues) أمثال نيكيتين ومينورسكي وليبزغ وغيرهم... يدحضون فكرة أصالة الأكراد في هذه المنطقة، وحتى فكرة "القومية" الكردية خصوصاً أنهم لم يجدوا أي رابط عرقي – قومي – فيزيولوجي وحتى لغوي بين هذه القبائل... وحتى المؤرِّخين الأكراد أمثال الأمير شرف خان البدليسي، أول من كتب التاريخ الكردي في كتابه "شرف نامه" (القرن السادس عشر) يؤكّد أنّ الأكراد قدموا إلى المنطقة أبّان الإجتياح المغولي أي منذ حوالي سبعة قرون، وبأنّ الشعب الذي يسكنها كان يُعرَف بإسم "آسوري – ASORI"، أما عالم الآشوريّات أوستن هنري لايارد (الملقب بأبي الآشوريّات –Farther Of Assyriology ) فيؤكّد بأن المسيحيين وتحديداً النساطرة في جبال آشور (أي الكنيسة الشرقية الآشورية) و أتباع الكنيسة الكلدانية في سهول آشور (أي القسم الكاثوليكي من كنيسة المشرق) هم الأقوام الأصيلة في تلك المنطقة أمّا البقيّة فجميعهم غرباء.

                                                                                                           

أمّا فيما يخصّ جغرافية ما يُسَمّى "كردستان" في البداية نوضح بأن أوّل مؤرِّخ نطق بكلمة "كردستان" كان حمد الله إبن المستوفي القزويني في كتابه "نزهة القلوب" المكتوب في القرن الرابع عشر، ثمّ درجت هذه الكلمة بعد قدوم القبائل الرّحل من آذربيجان إيران واستفرّت في جبال آشور، بينما نرى مقدِّمة البرنامج قد تبرَّعَت بكامل آشور (شمال عراق اليوم) إلى القبائل الكردية ودافعت عن ذلك علماً أنّ العراقَ من شماله إلى جنوبه قائمٌ على أنقاض الآثار الآشورية التي سُلب ما سُلب منها مؤخّراً في الموصل وبغداد على يد "قوى الأمر الواقع" التي "تتعايش" مع الآشوريين على أرضهم، وأصحاب تلك الآثار ما زالوا أحياءً  يُرزقون، مهمَّشين في الإعلام العربي (يا لسخرية القدر...)  

                                                                                                                  

مع كلّ ذلك لا أحد يستطيع تجاهل القبائل الكردية التي عانت الكثير، ولو أنها فُرضت في آشور من قبل تيمورلنك ثمّ السلاطين العثمانيين منذ قرون، ولكن بما أن القضيّة الكردية ستحَلّ على حساب مصير القومية الأصيلة في العراق، فهنا يجب إعادة النظر في السياسة الكردية كون ما يسمّى "كردستان العراق" يضمّ الوطن القومي الآشوري وإذا كان الأكراد يطالبون بما يدَّعون أنه حقهم، فيجدر بهم أخذ حقوق الغير بعين الإعتبار، وخصوصاً أصحاب الديار. 

                                                                                               

لست في صدد بحثٍ تاريخي حول الأقوام التي استوطنت العراق في وقتٍ متأخر، ولا استباق الأمور على صعيد الساحة العراقية ومهما يكن، إنّ كافة القوميّات في عراق اليوم يجمعها الإنتماء "الوطني" فعراقيَّتها هي القاسم المشترك الذي يتوجّب على الجميع العيش في ظله بحرّية ومساواة تحت أية صيغة كانت، بحيث إذا تم فرض الصيغة الفيدرالية (لا سَمَح الله)، عندها من حقّ الشعبين الآشوري والتركماني أن يحظى كلّ منهما كذلك بكيان فدرالي خاص أسوة بالأكراد والعرب، فكما الشعب الكردي مهتمّ بالحفاظ على خصائصه كذلك الأمر بالنسبة لغيره من القوميات في العراق، علماً أن الآشوريين يتمتعون بالمؤهلات الثقافية والسياسية والأخلاقية لإدارة شؤونهم وبتفوّق، والشعب العراقي بأكمله على يقين بهذا.  

                                                                                                          

بالعودة إلى الإعلام العربي، إن قصّة القضية الآشورية في هذا المجال معقدة لما للفكر العربي السياسي والإعلامي بشكلٍ عام، من أمراضٍ كانت دائماً السبب للتقوقع الفكري العربي عامّة على مستوى الفرد والمجتمع ضمن منظومة تقليدية تفرضها طبائع عقائدية لا تتماشى مع العصر مما سبّب انغلاقاً جيو- سياسياً مع العالم الخارجي، ورفضاً للآخر ربما بسبب الإعلام الموجّه من قبل بعض الأنظمة العربية سواء كانت عروبية أم إسلامية. وفي مقابل ذلك يقف الفرد الغير عربي وخصوصاً الآشوري، حائراً منتظراً ذكرَ حدثٍ يتعلق بأبناء قوميته في العراق ولكن دون جدوى، وكمثالٍ بسيط؛ رفعت عشرات القرى في آشور (شمال العراق الحالي) العلم الآشوري عالياً بعد سقوط النظام الذليل ولكننا بكلّ أسف لم نرَ ذلك إلاّ في وسائل الإعلام الآشورية والأجنبية فيما تكلم الإعلام العربي عن رفع العلم الكردي في بعض المناطق الآشورية المكرَّدة والتي سمّاها "مناطق كرديّة".

                                                                                                   

ولدى ذكر شرائح الشعب العراقي في نطاق قومي ضمن سياق الآراء والتحليلات أو الأخبار، تُذكر القومية الآشوريّة تحت عبارة "أقليات أخرى" أو "بعض الأقليات".. أمّا في حال نَقل أي حدث بالصوت والصورة فنلاحظ الكلام عن العرب أو الأكراد وما يسمّى "كردستان" وذلك فيما يقف المراسل بكلّ وقاحة في بلدة آشورية عريقة ويصوّر أحد أحياءها وسكانه الآشوريين (ربّما ليُعطي صورة جيّدة عن المناطق التي يدّعي أنها "كرديّة")، وفي حال أية حادثة تتعلق بمواطن عربي فإنه يُذكر بعبارة "عراقي" وإذا كان كردياً يذكر بإسم قوميّته، أما إذا كان آشورياً فإنه لا يُذكر بتاتاً! وإذا تمَّ ذكره فسيكون ذلك تحت عبارة "مسيحي" وكأن القومية الآشورية تشكّل بُعبُعاً على الإعلام العربي !                                                                                                                                                                                              

أخيراً نرجو من وسائل الإعلام العربية (الخاصّة على الأقلّ) عدم الترويج لقضايا معينة بدون التطرّق إلى غيرها (لإعتبارات دينية على الأرجح)، وعدم تقليد الإعلام الرسمي العربي كي لا تفقد احترامها لدى المشاهد العربي نفسه، ونرجو المراسلين العرب مراعاة الأخلاق الإعلامية لدى مواكبتهم لأحداث العراق وذلك بتجرّد من الأنانية والمصلحة الشخصيّة خصوصاً فيما يتعلق بما سمعناه فيما مضى حول الرشاوى من أموال "النفط مقابل الغذاء" لقاء بثهم تقاريراً لمصلحة طرفٍ معيّن بدون غيره. فالوضع العراقي حسّاسٌ وخطيرٌ بعكس ما يحاول البعضُ إظهاره، لذا يتوجّب على وسائل الإعلام العربية لعب دورها بنزاهة وبحرصٍ على عدم إثارة الفتن والمشاعر الإنفصالية لدى أيّة فئة من الشعب العراقي.                                    

                                              

 

    آشور كيواركيس - بيروت




أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية