آشور كيواركيس - بيروت، لبنان
تكاثرت في الآونة الأخيرة صيحات "الضمير القومي الآشوري" من قبل بعض من يصطادون في الماء العكر، وهذا ليس بسبب الحرص على المصلحة الآشورية بقدر ما هو استكمال للحملة المسعورة ضد الكنيسة الشرقية الآشورية ورئاستها الموقرة، وهذه الحملات انطلقت منذ رفض البطريرك مار دنخا بيع الهوية القومية الآشورية في سبيل كرسي السيد يونادم كنــّا ("المسيحي الكردي" في آشور المحتلة، و"المسيحي العراقي" في باقي مناطق العراق)، ورغم فشل الحملات المغرضة ضد الكنيسة، تلك الحملات التي كانت ولا تزال مدعومة من الجهاز الإعلامي الفاشل للحركة الديموقراطية الآشورية، إلا أن صيحات جديدة بدأت تعلو محاولة جذب الرأي العام الآشوري بألحان آشورية جميلة هذه المرة، نابذة سيدها السابق: البرزاني، لمجرّد أنه طرد "الزعيم الأوحد" من حكومة الإحتلال الكردي (له الحق بذلك كونه هو من صنعه أصلاً، وها قد صنع غيره، وغداً غيره وغيره...) ، وآخر حدث علت فيه صيحات تلك الأبواق كان ضدّ زيارة البطريرك مار دنخا الرابع لآشور المحتلة (ما يسمّى "كردستان") ولقائه بالبارزاني وبعض صبيانه من أيتام الآشوريين المستكردين.
إنّ هذه الحملات المسعورة من قبل القلة القليلة من الآشوريين تثبت بأن هنالك من لا يزال يضع صنمه الحزبي فوق كل اعتبار وفوق كل الثوابت (هذا إن كان يؤمن بـ"ثوابت")، وما يستحق التوقف عنده هو السؤال: هل هذه الصيحات منطلقة من مبدأ قومي حريص على مصير الآشوريين أم أنها مجرّد زقزقات كنــّاوية منازعة؟
لو عدنا قليلاً إلى الوراء وتذكرنا "بعض" الساسة الآشوريين ليس بالنسبة للقاءاتهم بالبرزاني فحسب، بل أيضاً عمالتهم له في تكريد الأرض الآشورية وإنكار كافة الإعتداءات الكردية على الآشوريين أرضاً وشعباً ومؤسسات، وموافقتهم على أوقح الوثائق التي صيغت ضد الشعب الآشوري (الدستور الكردو-إسلامي)، لتذكـَّرْنا بالمقابل مواقف الأبواق التي وافقت على ذلك ودعمته، إنما صحت اليوم فجأة وتحوّلت إلى ضدّ كل من يقابل البرزاني، علماً أن من يلومونه اليوم على لقاء البرزاني ليس إلا رجل دين لا يستطيع اتخاذ مواقف سياسيـّة ضد أعداء القضية الآشورية خصوصاً إذا كان الأعداء عصابات عشائرية لا يردعها رادع بعد أن اعترف بديموقراطيتها "الزعيم الأوحد" الذي يترأسهم، وخصوصاً أنه "رجل سياسة" يحمل صفة "المناضل" في بعض حفلات التبرع وخطابات البالتاك التي يلقيها بعض عملاء المخابرات العراقية السابقين والذين يُعتبرون "فخر" الحركة الديموقراطية الآشورية والناطقين بإسمها رسمياً (قريباً سيتم نشر كافة المعلومات عنهم وعن مهامهم في المخابرات العراقية).
إن تأييد المئات لهذه التصرفات من قبل بعض المتهورين تعود إلى مشاكل جمـّة يعاني منها الشعب الآشوري كما باقي الشعوب الشرق-أوسطية، خصوصاً تلك التي قضت عقوداً في ظل الأنظمة الدكتاتورية واكتسبت منها بعض المساوئ من طرق تعاملها مع المجتمع، فالقسم المضلل من الشعب الآشوري يحكم بشكل غير منطقي ولا يملك أتباعه الحجة القوية حين يحكمون على الأمور، والمثال الأبسط على ذلك هو مجرّد لقاء "بطريرك الكنيسة الشرقية الآشورية" بأعداء الأمة الآشورية، وتناسي محاولات ضمّ كنيستهم لأخطبوط الكثلكة الذي طالما حرّض العثمانيين والأكراد على ذبح أبناء كنيسة المشرق العريقة وكانت نتيجة ذلك المولود الجديد لكنيسة آشورية كاثوليكية تسمّى "كلدانية"، بل نراهم يدعمون قائد حملة الكثلكة السيد آشور سورو (الأسقف مار باوي سابقاً) وبأمر مباشر من السيد كنـّا وبعلم وموافقة قيادة الحركة المهترئة.
كما نسيَ ذلك القسم المضلل بأن هناك بطاركة آشوريين آخرين التقوا بالبرزاني واعترفوا بما يسمّى "كردستان" كالبطريرك مار دلــّي، وبأن هناك بطريركا آشوريا مستعرباً كالبطريرك مار زكـّا... ولم نرهم (المضللين) في يوم من الأيام تجرّؤا بالتفوّه بكلمة، علماً أن هؤلاء البطاركة لا يزالون حتى اليوم يهزؤون بشركة كنــّا للإستثمارات الإنتخابية (الحركة الديموقراطية الآشورية) ومن الوحدة الممسوخة التي طرحها بالإسم المركب في سبيل نجاحه في الإنتخابات البرلمانية في العراق.
ونسوا بأن البطريرك مار إيشاي شمعون الذي ضحّى مع عائلته في سبيل خلاص الأمة الآشورية من أجداد البرزاني، إلا أنه قد زار العراق خلال فترة السيطرة البعثية المتخلفة والتقى بالمسؤولين كونه رجل دين لا يريد اتخاذ مواقف سياسيـّة بعد أن تأسست الأحزاب الآشورية في الخارج، والتي يقف على عاتقها هي بالذات، اتخاذ المواقف السياسية.
إذا قبل أن نلوم رجال الدين على "مجرّد زيارة" فلنوجّه أقلامنا إلى "رجال السياسة" ونحاسبهم على مواقفهم، كونه لولا جبنهم وعمالتهم لما فــُتح المجال لرجال الدين لاتخاذ المواقف التي نلومهم عليها، ومن لا يقوم بذلك فليخرس إلى الأبد، فالوحيدون الذين يحقّ لهم لوم البطريرك على أخطائه "الكردستانية" (حين تحصل)، هم من وقفوا ضد عملاء الأكراد والبعث أيّ كانوا...









