زوايا آشــوريه
زاويه تعـني بالاحداث و التأريخ من وجهة نظر آشـوريه
زرع الريح وحصد العاصفة " الأكراد "
زرع الريح وحصد العاصفة " الأكراد "

 
كتابات - المحامي / سليمان الحكيم
 
كان يُفترض أن يتناول هذا الحديث معضلة العراق مع السيد مقتدى الصدر وزٌمره ,لكن صدى طلقات المدفعية التركية في شمال العراق قد طغى على لعلعة الرصاص في جنوبه , وبدا أن ساعة العراق للحساب مع قيادات العصابات الكردية قد حانت بأسرع مما توقّع الوطنيون العراقيون الملتاعون لما حدث لبلدهم , ولربما راودهم شعور متفائل بخلاص وشيك لجنوب العراق ووسطه من كل الطفيليات التي أنهكت البلد بعد اصابته بداء الاحتلال الأميركي .

أٌعلنت الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 بعد تسويات توصلت اليها القوى الامبراطورية العظمى تجسدت في معاهدة سايكس - بيكو , وقد سٌلخت أراض من كيان العراق التاريخي وأضيفت اليه أٌخرى, وقد أصاب النظام الدولي الجديد آنئذ القيادات الكردية بخيبة أمل شديدة اذ أجهض آمالها في قيام دولتها المنشودة ولا سيما بعد تصفية الكيان الهش الذي أقامته في الجانب الايراني والذي عٌرف باسم جمهورية مهاباد , و معروف أن الشعوب الكردية تتوزع في الجبال المطلة على العراق وايران وتركيا والسفوح الغربية لروسيا , وكرد فعل على تلك الخيبة التاريخية ومحاولة منها لاحياء ما بدا أنه مات واندثر , انغمست القوى الكردية في خضم الصراعات الاقليمية في الشرق الأوسط , وهي صراعات بين قوى دولية عظمى تشارك فيه قوى اقليمية كبرى وصغرى , وفي مثل هذه الأحوال لم يكن بوسع تلك القوى الكردية أن تقوم بأكثر من دور مخلب القط , والعميل الصغير , وأداة للعمليات القذرة , وهي جميعها أدوار يكون صاحبها أول من يدفع ثمن التسويات التي قد تتم بين قوى الصراع , وكذلك كان الأكراد شوكة في خاصرة الدولة العراقية استخدمتها المصالح الايرانية والتركية والروسية والأميركية والاسرائيلية , ولم تحِل الامتيازات التي قدمتها لهم الدولة العراقية - باعتبارها الحلقة الأضعف في دول الطوق -  والتي لم يجرؤ أقرانهم في دول الجوار حتي على الحلم بها , دون استمرائهم لعب دور الأداة السوداء تحرّكهم روح الغنيمة التي تحكم السلوك القبلي سواء في عمق الصحراء أوفي قمم الجبال , وكانت أشد اللحظات سوادا في تاريخهم تلك التي عبروا فيها خطوط التاريخ , والدين , بل والانسانية ليجدلوا حبال وصل متينة مع اسرائيل !!

والحقيقة أن أوجه تماثل متعددة تربط بين الأكراد والاسرائيليين ,فالطرفين هما  أقلية غير متجانسة وسط بحور من الشعوب ذات الهوية القومية التاريخية الثابتة , وهما قوتان لا فرصة لهما للعيش الا بالاعتماد على قوى استعمارية كبرى يقايضونهما به دعما سياسيا وعسكريا , وتجمعهما مشاعر كراهية عنصرية للعرب ولحركات التحرر العالمية , فضلا عن أنهما  ينتميان الى لغة ميتة لم تسهم بورقة واحدة  مكتوبة في التراث الانساني على توالي القرون , واذا عرفنا يهودا أبدعوا في ميادين العلم والأدب والفن فان ابداعهم كان بغير اللغة العبرية وباعتبارهم مواطنين في بلاد غير اسرائيل تماما كما أبدع أكراد بلغات الأوطان التي عاشوا فيها . ولقد أثبت العرب بما لايدع مجالا للشك أن نزوعهم القومي وخاصة في العصر الراهن كان انسانيا ويهدف أساسا الى توحيد أشلاء وطن كبير مزقته القوى الاستعمارية, ولم تشِب دعواهم القومية أية نظرة عنصرية تجاه الأقليات القومية التي تعيش بين ظهرانيهم , فقد ناصر اليسارالقومي العربي حزب جلال الطالباني باعتباره حزبا تقدميا يساريا يحارب القبلية الرجعية البارزانية , وأمدّه بالسلاح والمال, ودرّب رجاله بعد عام 1967 في معسكرات الجناح العسكري لحركة القوميين العرب بعد أن أقام صلات وثيقة مع نظام ثورة يوليو في مصر التي منحته من بين ما منحته من أشكال الدعم موجة بث اذاعي باللغة الكردية , واستقبله جمال عبد الناصر مرة واحدة في ربيع عام1963 حثّه فيها على التمسك بوحدة العراق , وبعد هذه الزيارة اليتيمة صار يدعي  وحتى اليوم أن صداقة وثيقة قد ربطته بالرجل .

لم يكن عداء الأكراد لنظام صدام حسين يستند الى دعاوى تتعلق بالحرية وبالاضطهاد القومي , بدليل ما حدث في أربيل سنة 1996 , وانما كانوا أداة لأميركا في صراعها الطويل والمعقد ضد ذلك النظام , وللانصاف فان ادعاءات الأنفال ومعسكرات اعتقال الأكراد لم تكن سوى نتاج  نصائح اسرائيلية مستفادة من دروس الهولوكوست اليهودي ولم يصب الأكراد في عهد صدام حسين أكثر مما أصاب معظم فئات الشعب العراقي , ولقد عرف الأكراد منذ عام 2000 وفي عهد ادارة الرئيس الأميركي كلينتون أن حربا أميركية على النظام العراقي قد باتت مقررة وأنها تنتظر الفرصة السانحة لتطلق صاروخها الأول ,فعرفوا  وبحكم علاقاتهم مع دوائر المعلومات الاسرائيلية والغربية أن نظام صدام قد بذل في تلك السنة محاولة أخيرة مع الادارة الأميركية عبر وسيط ذي صلة بالديوان الملكي المغربي لرفع الحصار عن العراق مقابل تقديمه  صك على بياض تملي على صفحته الادارة الأميركية مشيئتها , فجاءه الرد عبر ذلك الوسيط : لقد فات الأوان , وهذه قصة أخرى على أية حال , ولكن الأكراد باشروا على الفور وبمشورة اسرائيلية وضع خطة عمل تلحظ حتمية سقوط النظام وترتب لاقتناص الفرصة التي لاحت لهم تاريخية , وقد اقتبس السيد جلال الطالباني في فورة حماس عن تصورهم للموقف في اجتماع ضمه والسيد مسعود البارزاني والسيد أحمد جلبي بالاضافة الى قيادات كردية من الصف الثاني في لندن في خريف عام 2002 من لينين عبارة : Now or never

والحاصل أنه منذ أن لاحت المؤشرات الأكيدة لسقوط نظام صدام حسين باشر الأكراد وبتوافق نادر بين حزبيهم الرئيسيين  تنفيذ ما سبق أن كان خططا على الورق مستغلين حالة الانفلات التام التي سادت الوطن العراقي لأسابيع, وانتهزوا فرصة كونهم القوة العسكرية المنظمة والوحيدة , فقاموا بالدور الرئيس لهدم المؤسسات الوطنية العراقية ونهب كل ما يمكن حمله ونقله الى مناطقهم , فعلى سبيل المثال فككوا مصنع الدبابات الكائن في منطقة الاسكندرية ليبيعوه فيما بعد لايران , وتجاوزوا بمنطق لصوص العصابات حساسيتهم القومية ليشتروا بأثمان أتاحتها الفرصة من عصابة يرأسها السيد طارق الحلبوسي كل محتويات المخازن العملاقة لوزارة التجارة العراقية في ناحية كرمة الفلوجة  والتي كانت تضم كل ما استورده العراق من مركبات ومعدات وتجهيزات ومواد انشائية واطارات ومواد غذائية , وكانت العملية مشينة الى حد أدرجت معه المقاومة العراقية اسم هذا الأخير في لوائح المطلوب تصفيتهم !! ولم ينس أهل بغداد بعيد سقوط النظام  منظرالمئات من تلك المركبات وهي تشق طريقها مواكب اثر مواكب باتجاه الشمال . وقد اهتم الأكراد خصوصا في اطار خطتهم المنهجية  بتفريغ دوائر الدولة العراقية من كافة وثائقها الحساسة ونقلوها الى حيث يمكن لهم مقايضتها مع الجهات الدولية المهتمة . ثم كانت خطواتهم التالية - بارشاد اسرائيلي لا شك فيه- هو ترتيب البيت الكردي بصورة تجعله الحكم الفصل في اللعبة السياسية الفجّة التي قررها الأميركان لزمن الاحتلال , فصاروا يأخذون كل ما تتيحه لهم قواعد اللعبة ويساومون غيرهم من القوى السياسية على ما تبقى , وكذلك وضعوا خريطة لدولتهم تلتهم كل المناطق المسيحية واليزيدية والآشورية وحتى بعض المناطق العربية, فامتدت حدودهم السياسية من سنجار الى خانقين والكوت مرورا بالموصل وسهولها الخصبة , وابتزوا كل دولار أتاحها لهم ضعف الدولة وتهافت رئيس الوزراء على الالتصاق بكرسيه , ولعل محاولة سلخ كركوك عن وطنها العراقي يٌعتبر أنصع مثال على تقيّد الأكراد بالارشاد الاسرائيلي , فهو يماثل تماما ذلك الذي اتّبعته الهاغاناه في تفريغ الأراضي الفلسطينية من سكانها الشرعيين العرب , ولن أسرد ما يعرفه القاصي والداني عن ممارساتهم العنصرية مع العراقيين العرب وسواهم , وعن استهتارهم بالعلم العراقي الذي تدفقت تحت ساريته قوات عراقية سنة 1996 الى أربيل لانقاذ رقبة السيد مسعود البارزاني , وعن تهيئتهم الأطر الادارية والبشرية لتكون جاهزة في خدمة الدولة الكردية المستقلة التي لا يشكّ متابع لمقدمات نشأتها أنها ستكون معادية للعراق و للعرب , وشريكة في تفتيت أوطانهم الى كيانات طائفية أو عرقية , ولعل السلوك الاستعدائي و المستفز  الذي نلمسه اليوم من الأكراد لا يدع مجالا للشك في صحة هذا التوقع .

تصور الأكراد أن لهم في المظلة الأميركية غطاء يمكن لهم من ورائه تحقيق كل خيالاتهم , وافترضوا أن العلاقة مع اسرائيل تعطيهم حصانة ضد الموقف العربي, وتفتح لهم أبواب الكونغرس الأميركي والقوى الصهيونية المؤثرة في الغرب , والشاهد أن علاقاتهم مع اسرائيل التي بدأت منذ الستينات على شكل استقبال خبراء عسكريين وارسال مقاتلين للتدرب هناك , وأكدتها صور منشورة للراحل مصطفى البارزاني ونجله ادريس والدكتور محمود عثمان برفقة رئيس الوزراء الاسرائيلي ليفي اشكول ووزيرة الخارجية غولدا مائير ووزير الدفاع موشي دايان ,قد ارتقت اليوم لتصبح أكثر تشعبا , فهناك تعاون أمني وتنسيق  سياسي بين الطرفين , وهناك أيضا تعاون اقتصادي وثيق , فعلى سبيل المثال بلغت الصادرات الاسرائيلية مثلا الى مناطق الأكراد  في شهر أيار لسنة 2003 , 6ملايين دولار أميركي ارتفعت في حزيران من العام نفسه الى 42 مليونا , وتٌعتبر شركة - انفو برود ريسيرتش - من أهم الشركات الاسرائيلية الناشطة هناك ويمثلها أحد قياديي الحزب الديمقراطي الكردستاني !

وللانصاف فان السيد جلال الطالباني أكثر وعيا بالمأزق الذي تجرّ حماقة السيد مسعود البارزاني القضية الكردية نحوه  فهو كسياسي قديم جاب المنطقة وعرف عن قرب قواها السياسية, ويدرك أن سياسة حافة الهاوية مع تركيا قد تطيح بنضال عمر طال أكثر من نصف قرن فضلا عن دفن القضية الكردية لأجل غير معلوم في الرفوف السفلية لأرشيف التاريخ , وهو موزّع المشاعر بين كونه واقعا رئيس لجمهورية العراق وبين تزعمه احتمالا دولة كردية مستقلة , ومع ذلك فقد فات أوان التراجع بعد أن أدركت تركيا ومعها القوى الاقليمية حجم القوة التدميرية التي يحملها المشروع الكردي , ويبدو أنها قد  انتهت الى قناعة مؤداها أن منطقة الشرق الأوسط لا تتسع لها وله , وأن المظلة الأميركية لن تحمي هذا المشروع بقوة السلاح مخاطرة بحساباتها الاستراتيجية , كما أن الحصانة الاسرائيلية لن يسري مفعولها وقت الاحتكام الى السلاح , وهكذا تجد الأمة العربية نفسها - للمفارقة - في حلف وثيق مع الأمة التركية تفرضه قضايا مصير ومطالب أمن , ويكتشف العراق متأخرا أنه لو تخفف منذ الخمسينات من أثقال حمّلته اياها معاهدة سايكس - بيكو  لوفّر على نفسه أرواحا وأموالا وأزمانا تسبّب فقدانها في مراوحته مكانه وسط عالم يتقدم كل ساعة .

 


2007-10-20


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية